الغزالي

113

إحياء علوم الدين

وفي بعض الأخبار عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « أنّه قال شكوت إلى جبريل عليه السّلام ضعفي عن الوقاع فدلَّنى على الهريسة » وهذا إن صح لا محمل له إلا الاستعداد للاستراحة ، ولا يمكن تعليله بدفع الشهوة ، فإنه استثارة للشهوة ، ومن عدم الشهوة عدم الأكثر من هذا الأنس . وقال عليه الصلاة والسلام [ 2 ] « حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث الطَّيب ، والنّساء وقرّة عيني في الصّلاة » فهذه أيضا فائدة لا ينكرها من جرب إتعاب نفسه في الأفكار والأذكار وصنوف الأعمال وهي خارجة عن الفائدتين السابقتين ، حتى أنها تطرد في حق الممسوح ومن لا شهوة له ، إلا أن هذه الفائدة تجعل للنكاح فضيلة بالإضافة إلى هذه النية ، وقل من يقصد بالنكاح ذلك . وأما قصد الولد ، وقصد دفع الشهوة وأمثالها فهو مما يكثر . ثم رب شخص يستأنس بالنظر إلى الماء الجاري والخضرة وأمثالها ، ولا يحتاج إلى ترويح النفس بمحادثة النساء وملاعبتهن فيختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص فليتنبه له الفائدة الرابعة : تفريع القلب عن تدبير المنزل ، والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة . فان الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده ، إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل ، لضاع أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل . فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل عون على الدين بهذه الطريق ، واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش . ولذلك قال أبو سليمان الداراني رحمه الله : الزوجة الصالحة ليست من الدنيا ، فإنها تفرغك للآخرة . وإنما تفريغها بتدبير المنزل وبقضاء الشهوة جميعا